Wednesday, May 14, 2008

من المؤلم

مؤلم جدًا أن ترى بعض أصدقائك ينجرون بكل غباء نحو الخطاب الطائفي، متحركين بتلك النزعة الأنانية النرجسية القائلة باني أفضل من غيري لا لشيء الا لانتمائي إلى هذه الطائفة أو تلك.
وما حدث ويحدث في بيروت يحمل مسحة طائفية مقيتة.
لست ضد ثقافة المقاومة، ولست ضد حزب الله، ولكن ضد أن ينغمس حزب الله وتنغمس المقاومة في المستنقع اللبناني الداخلي، عندئذ يفقد السلاح شرعيته.
لا أتعاطف مع سعد الحريري، ولا مع وليد جنبلاط، ولا حتى مع رفيق الحريري، فأنا أمقت بشدة ثقافة التطبيع الاستهلاكية الانهزامية التي يبشرون بها، الا أنها تبقى نهايةً ثقافة وطريقة عيش، يحق لأي انسان أن يختارها. ولكن، هناك طرق أخرى افضل من القوة العسكرية والسلاح. حتى إن كان فريق 14 آذار يتآمر على المقاومة، لا يجوز أبدًا ان ترد المقاومة بالسلاح.
بيروت طائفية، والمجتمع اللبناني طائفي. حقيقة لا يمكن تغييرها، طائفية متجذرة في نفوس اللبنانيين منذ قرون ولولاها لما نشأت دولة لبنان أصلاً. وبناء على هذه الطائفية ينظر سكان بيروت إلى تحرك المعارضة على انه احتلال شيعي لمناطق سنية. لا يكفي أن توقف إلى جانبك قياديين سنيين من الدرجة الثالثة او الرابعة لتزعم أن المعارضة تشمل جميع الطوائف. الحطاب السائد الآن في الشارع طائفي بامتياز، ولمن لا يستطيع الوصول إلى بيروت (شرقية وغربية وضاحية) تكفيه نظرة واحدة إلى مجموعات الفيسبوك. سنة يسبون الشيعة، وسنة يستنجدون بإخوانهم، وشيعة يهتفون بالنصر، وشيعة يبررون، ومسيحيون يدعون إلى مصالحة القوات مع التيار الوطني الحر لدرء الخطر القادم، وأقليات تدعو إلى حب الجميع.
ما حصل في بيروت لن تزول آثاره سريعًا. ألف لجنة عربية لن تعيد الأموات إلى الحياة وستبقى شعلة الثأر ملتهبة في القلوب. على سبيل المثال ارتفعت أصوات عديدة من شباب الحزب السوري القومي، والذي أتعاطف مع تعاطفه مع قضيتي فلسطين وأمقت فيه نازيته وعنصريته، تطالب بعدم الالتزام بأوامر رئيس الحزب بتسليم موضوع القتلى الأحدعشر في مجزرة حلبا للقضاء وتصرخ بالثأر. المجزرة رهيبة بكل المقاييس الانسانية، مرتكبوها أدنى منزلة من الكلاب، ويستحقون اقصى درجات العقاب. ولكن تكون المشكلة اذا تحول الثأر إلى جنون وهوس لا أعرف كيف تكون شاكلته، وأتخوف منه إن أعمى الغضب القلوب. من سيستهدف هؤلاء الشباب؟ القتلة والمجرمين الذين نفذوا المجزرة ام أي فرد يتعاطف مع تيار المستقبل؟ هذا مجرد مثال للعديد من الأحزاب والشباب المطالبين بالثأر من الطرفين.
مجددًا، لا أتعاطف مع تيار المستقبل ولا مع آل الحريري، ولكني أشفق على من تدفعهم طائفيتهم الممزوجة بالتخوف من طائفية الآخرين للانضواء تحت جناح هذا التيار بصفته "التيار السياسي الذي يمثل السنة في لبنان". أيصبح هؤلاء مستهدفين أيضًا؟
ثم ما ذنب المدنيين الذين قتلوا في الأحداث؟ ما ذنب ذاك الشاب الذي أفنى عمره للحصول على دكتوراه في القانون، ومن ثم أراد الهروب بأمه فركبا سيارته لتصيبه قذيفة صاروخية فترديهما صريعين؟ لا أحزن على هذين المدنيين بقدر حزني على والد الشاب العجوز الذي دفن بيديه زوجته ورفيقة عمره وابنه الشاب وأراد أن يقفز في القبر ليدفن معهما. ما ذنب الدكتور في الجامعة اللبنانية الذي انهمرت زخات الرصاص على سيارته لتقتله هو وزوجته وتصيب ابنته. ما ذنب هذه الابنة لتحيا بلا والدين؟
لا أتعاطف مع من قتل وهو يطلق النار، مدافعًا أو مهاجمًا، إلى جهنم.
مجددًا، أنا أول من يدافع عن سلاح حزب الله، وأدرك أن هذا السلاح وقف بوجه حركة "أمل" التي سلحتها وأنشئتها منظمة التحرير فانقلبت عليها وفعلت فعلها في المخيمات من مجازر، وأدرك أن هذا السلاح لولاه لاستباحت اسرائيل المخيمات الفلسطينية كلما شكت ان فلسطينيا في لبنان أرسل دولارا إلى غزة او الضفة، ولكن ليس بهذه الطريقة.
لنأخذ "حماس" مثالاً. "حماس" تزعم أنها نظفت قطاع غزة، على الأغلب ذلك صحيح. القطاع احتاج إلى عمليات تنظيف من الخونة والعملاء، إلى ان عملية "حماس" انقلبت عداءً ضد كل ما هو فتحاوي، على اعتبار أن كل ما هو فتحاوي، ربع او ثلث أو نصف الشعب الفلسطيني، عميل.
ما يجب أن نفهمه جميعًا في هذه المنطقة أن هنالك ثقافة مقاومة وثقافة استسلام تزعم أنها تحب الحياة. أنا أول من ينظِر بثقافة المقاومة ويدعو إليها، وأؤمن ان شعوبنا تقاوم لتعيش بحرية وكرامة، وألوم الانهزاميين ممن يحملون ثقافة الاستسلام. ولكن يبدو أن الكثيرين لا يدركون أن ليس كل من تعاطف مع السلام مع الاسرائيليين يفعل ذلك لأنه فاسد أو مرتشي ويستحق القتل والتصفية. ناس كثر يئسوا واستسلموا، ولكنهم يبقون فلسطينيين ولبنانيين مهما كان، لا يمكن ولا يحق لنا إلغائهم بالسلاح.

No comments: