"بكديش هذي؟"
حملت التفاحة بيدها ووقفت تسأل بائع الخضار عن ثمنها. لفتت لهجتها الفلسطينية الخالصة انتباهي، فرفعت نظري عن صندوق الجوافة الخضراء التي أثارت حيرتي، إذ لم اكن قادرًا على أن أجد بينها حبة واحدة أقل سوءًا وعفنُا من الأخريات. ليس هذا ما يهم الآن، ولا تهم اللوحة التي علت صندوق الجوافة لتعلن أن سعر شبه الفاكهة هذه ألفي ليرة للكيلو. ليس هذا ما يهم. ما يهمني هو المرأة العجوز ذات العينين الزرقاوين الواسعتين. عينان حملتا زرقة بحر حيفا أو يافا او عكا، لا فرق فهو نفس البحر وإن ادعى سكان كل مدينة أن بحرهم أكثر زرقة من بحار الآخرين. عودة إلى العينين اللتين غزاهما ضباب رمادي خفيف، لا يعزى إلا إلى التقدم في العمر. ومنهما عودة إلى العجوز التي كان كل شيء فيها يناقض محيطها. عباءتها التي تطابق ما كانت جدتي تلبسه في عالم ما قبل النكبة، ومن يدري، فقد تكون هذه العباءة هي فعلا التي استقبلت فيها العجوز النكبة. كان تناقضها صارخًا مع السيارة الفارهة التي مرت خلفها، والبناية السكنية الحديثة ذات الثمانية طوابق في الخلفية.
تبادر إلى ذهني فورًا حنظلة. حنظلة الذي رسمه ناجي العلي وعرفه بأنه طفل في العاشرة، حلت عليه النكبة، فتجمد الزمن بالنسبة له وما عاد يكبر. النكبة أمر غير طبيعي، اللجوء حالة مؤقتة، وهذه العجوز تعيش حالة مؤقتة، تجمد الزمن عليها فلم تغير عباءتها، ولم تتبنى لهجة أخرى لحديثها. هذه العجوز، كما انا وأبي وابني وجدي وحفيدي نعيش وضعًا مؤقتًا غير طبيعي. نعيش حياتنا بانتظار عودة المياه إلى مجاريها، وبانتظار عودة اللاجئ إلى بلاده.
هي حنظلة الواقع. نعم، تقدم العمر بجسدها، وحفر الزمن أخاديدًا في وجهها، ربما لتسهل سريان دموعها، إلا أن روحها الشابة لم تتغير منذ نكبت. قد تموت العجوز منتظرة، إلا أن ما تنتظره آت لا محالة.
حملت التفاحة بيدها ووقفت تسأل بائع الخضار عن ثمنها. لفتت لهجتها الفلسطينية الخالصة انتباهي، فرفعت نظري عن صندوق الجوافة الخضراء التي أثارت حيرتي، إذ لم اكن قادرًا على أن أجد بينها حبة واحدة أقل سوءًا وعفنُا من الأخريات. ليس هذا ما يهم الآن، ولا تهم اللوحة التي علت صندوق الجوافة لتعلن أن سعر شبه الفاكهة هذه ألفي ليرة للكيلو. ليس هذا ما يهم. ما يهمني هو المرأة العجوز ذات العينين الزرقاوين الواسعتين. عينان حملتا زرقة بحر حيفا أو يافا او عكا، لا فرق فهو نفس البحر وإن ادعى سكان كل مدينة أن بحرهم أكثر زرقة من بحار الآخرين. عودة إلى العينين اللتين غزاهما ضباب رمادي خفيف، لا يعزى إلا إلى التقدم في العمر. ومنهما عودة إلى العجوز التي كان كل شيء فيها يناقض محيطها. عباءتها التي تطابق ما كانت جدتي تلبسه في عالم ما قبل النكبة، ومن يدري، فقد تكون هذه العباءة هي فعلا التي استقبلت فيها العجوز النكبة. كان تناقضها صارخًا مع السيارة الفارهة التي مرت خلفها، والبناية السكنية الحديثة ذات الثمانية طوابق في الخلفية.
تبادر إلى ذهني فورًا حنظلة. حنظلة الذي رسمه ناجي العلي وعرفه بأنه طفل في العاشرة، حلت عليه النكبة، فتجمد الزمن بالنسبة له وما عاد يكبر. النكبة أمر غير طبيعي، اللجوء حالة مؤقتة، وهذه العجوز تعيش حالة مؤقتة، تجمد الزمن عليها فلم تغير عباءتها، ولم تتبنى لهجة أخرى لحديثها. هذه العجوز، كما انا وأبي وابني وجدي وحفيدي نعيش وضعًا مؤقتًا غير طبيعي. نعيش حياتنا بانتظار عودة المياه إلى مجاريها، وبانتظار عودة اللاجئ إلى بلاده.
هي حنظلة الواقع. نعم، تقدم العمر بجسدها، وحفر الزمن أخاديدًا في وجهها، ربما لتسهل سريان دموعها، إلا أن روحها الشابة لم تتغير منذ نكبت. قد تموت العجوز منتظرة، إلا أن ما تنتظره آت لا محالة.

No comments:
Post a Comment